علي بن محمد البغدادي الماوردي
111
أدب الدنيا والدين
أهون من الصبر على عذاب اللّه تعالى . وقال آخر : اصبروا عباد اللّه على عمل لا غنى لكم عن ثوابه واصبروا عن عمل لا صبر لكم على عقابه . وقيل للفضيل بن عياض رضي اللّه عنه : رضي اللّه عنك . فقال : كيف يرضى عني ولم أرضه . ومنهم من يستجيب إلى فعل الطاعات ويقدم على ارتكاب المعاصي فهذا يستحق عذاب المجترئ لأنه تورّط بغلبة الشهوة على الإقدام على المعصية وإن سلم من التقصير في فعل الطاعة . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « اقلعوا عن المعاصي قبل أن يأخذكم اللّه فيدعكم هتا بتا » ( الهت الكسر والبت القطع ) ولذلك قال بعض العلماء : أفضل الناس من لم تفسد الشهوة دينه ولم تنزل الشبهة يقينه وقال حماد « 1 » بن زيد : عجبت لمن يحتمي من الأطعمة لمضراتها كيف لا يحتمي من الذنوب لمعرّاتها . وقال بعض الصلحاء : أهل الذنوب مرضى القلوب . وقيل للفضيل بن عياض رحمه اللّه : ما أعجب الأشياء فقال : قلب عرف اللّه عز وجل ثم عصاه . وقال بعض الألباء « 2 » : يدل بالطاعة العاصي وينسى عظيم المعاصي . وقال رجل لابن عباس رضي اللّه عنهما : أيما أحب إليك رجل قليل الذنوب قليل العمل أو رجل كثير الذنوب كثير العمل فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لا أعدل بالسلامة « 3 » شيئا . وقيل لبعض الزهاد : ما تقول في صلاة الليل فقال خف اللّه بالنهار ونم بالليل . وسمع بعض الزهاد رجلا يقول لقوم : أهلككم النوم فقال : بل أهلكتكم اليقظة . وقيل لأبي هريرة رضي اللّه عنه : ما التقوى فقال : بل أجزت « 4 » في أرض فيها شوك ؟
--> ( 1 ) حماد بن زيد : ابن درهم أبو إسماعيل الأزرق الأردي البصري . قال عبد الرحمن بن مهدي : أئمة الناس في زمانهم أربعة : سفيان الثوري في الكوفة ، ومالك في الحجاز ، والأوزاعي بالشام ، وحماد بن زيد بالبصرة . ولد سنة 98 ه - ومات سنة 179 ه - ( 2 ) الألباء : جمع لبيب . ( 3 ) بالسلامة : أي من الذنوب . ( 4 ) أجزت : هو من الجواز والعبور ، أي أردت ودخلت .